محمد عبد الله دراز
144
دستور الأخلاق في القرآن
وحيد ، وقصرنا جميع الأوامر إلى أمر واحد ، ظاهر أو باطن ، هو أمر اللّه . على أنّ القرآن لا يقدم لنا هذا الأمر الإلهي على أنّه سلطة مطلقة ، مكتفية بنفسها لكي تكون في أعيننا أساسا لسلطان الواجب ، بل إنّ مما يثير العبرة في هذا المقام أن نلحظ - على العكس - العناية الفائقة الّتي التزمها هذا الكتاب في غالب الأحيان ، حين قرن كلّ حكم في الشّريعة بما يسوغه ، وحين ربط كلّ تعليم من تعاليمه بالقيمة الأخلاقية الّتي تعد أساسه . ومن ذلك أنّه عندما يدعونا أن نتقبل من أهلينا كلّ تسوية للصلح ، حتّى لو كانت في غير صالحنا يؤيد دعوته بتلك الحكمة : وَالصُّلْحُ خَيْرٌ « 1 » . وعندما يأمرنا أن نوفي الكيل ، ونزن بالقسطاس المستقيم يعقب على هذا الأمر بقوله : ذلِكَ خَيْرٌ « 2 » . ولكي يسوغ قاعدة الحياء ، الّتي تطلب من الرّجال أن يغضوا أبصارهم ، ويحفظوا فروجهم - نجده يسوق هذا التّفسير : ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ « 3 » ، وبعد أن يأمرنا بتبيّن السّبب قبل أن نصدر حكما يقول : أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ « 4 » . وكذلك نجد الأمر الّذي يقتضينا أن نكتب ديوننا ، وآجال أدائها - مفسّرا بقوله تعالى : ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَأَدْنى أَلَّا تَرْتابُوا « 5 » . وإنّه ليكفينا عن تعداد أمثلة الأوامر الخاصة ، أن نرى الطّريقة الّتي يدفعنا بها
--> ( 1 ) النّساء : 128 . ( 2 ) الإسراء : 35 . ( 3 ) النّور : 30 . ( 4 ) الحجرات : 6 . ( 5 ) البقرة : 282 .